ابن كثير

37

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير في هذه الآية ، أي لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم ، ثم تخالفوه في السر إلى غيره ، فإن ذلك هلاك لأماناتكم ، وخيانة لأنفسكم « 1 » . وقال السدي : إذا خانوا اللّه والرسول فقد خانوا أماناتهم ، وقال أيضا : كانوا يسمعون من النبي صلى اللّه عليه وسلم الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين ، وقال عبد الرحمن بن زيد : نهاكم أن تخونوا اللّه والرسول كما صنع المنافقون « 2 » . وقوله وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ، أي اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها أو تشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه كما قال تعالى : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [ التغابن : 15 ] وقال وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] . وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [ المنافقون : 9 ] . وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [ التغابن : 14 ] الآية . وقوله وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد ، فإنه قد يوجد منهم عدو ، وأكثرهم لا يغني عنك شيئا ، واللّه سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة . وفي الأثر يقول اللّه تعالى : يا ابن آدم ، اطلبني تجدني ، فإن وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ، وفي الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « ثلاث من كن فيه ، وجد حلاوة الإيمان : من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا للّه ، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه اللّه منه » « 3 » ، بل حب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مقدم على الأولاد والأموال والنفوس ، كما ثبت في الصحيح أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين » « 4 » . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 29 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 ) قال ابن عباس والسدي ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد فُرْقاناً مخرجا ، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة ، وفي رواية عن ابن عباس فُرْقاناً نجاة ، وفي رواية عنه نصرا ، وقال محمد بن إسحاق فُرْقاناً أي فصلا بين الحق والباطل وهذا

--> ( 1 ) تفسير الطبري 6 / 221 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 220 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 9 ، والأدب باب 42 ، ومسلم في الإيمان حديث 66 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 8 ، ومسلم في الإيمان حديث 69 ، 70 .